الشيخ محمد الصادقي

172

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وهكذا يخاطب النبي ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) في حقل الأمر « لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ » ( 3 : 128 ) وكما هنا « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ » . فلست - أنت أيها الرسول النبي الألمعي - لست تملك شيئا من أمر التكوين والتشريع والثواب والعقاب والعفو ، أو الاستئصال والاستصلاح ، أو تدبير المصالح في أوقاتها ، أو تقديم الآجال عن مقراتها أو تأخيرها وما أشبه من الأمور الربانية في حقل التكوين والتشريع ، و « إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ » و « إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ » ( 88 : 22 ) . « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » له الخلق وله أمر الخلق استمرارا وتدبيرا وما أشبه من شؤون الخلق لصالحه غاية وبداية وعلى أية حال في كل تكوين وتشريع وما أشبه . ذلك ، فلا مجال هنا لبعض التفلسفات الفالسة الكالسة أن « الأمر » يعنى إيجاد المجردات ، والخلق هو إيجاد الماديات ، فقد ذكر هنا خلق السماوات والأرض والاستواء على عرش تسخيرهما بسائر النجوم وتدبيرها كلها وهو الأمر بعد الخلق « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » حيث جمع لنفسه الخلق والأمر دون أن يتخذ لنفسه شريكا أو يكون له يد في الأمر كما لا شريك له في الخلق ، والمشركون معترفون بان اللّه تعالى هو الخالق لا سواه ، ولكنهم يعطون أمر الخلق لغيره كلا أو بعضا . ثم الأمر هنا ليس ليختص بأمره تعالى بعد خلق الكون ، بل وله الأمر قبله وقبل أمره ، كما وله الخلق قبل الخلق والأمر وبعدهما ، فهو « خالق إذ لا مخلوق وعالم إذ لا معلوم . . » « 1 » ف من زعم أن اللّه جعل للعباد من

--> ( 1 ) . نور الثقلين 2 : 40 في الخرائج والجرايح قال أبو همام سئل محمد بن صالح أبا محمد ( عليه السّلام ) عن قوله تعالى : « لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ » فقال : له الأمر من قبل أن يأمر به وله الأمر من بعد أن يأمر به مما يشاء فقلت في نفسي هذا قول اللّه : « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » فأقبل علي وقال : هو كما أسررت في نفسك : « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » .